محمد الغزالي
259
فقه السيرة ( الغزالي )
وسادت روح الإيمان المحض صفوف المجاهدين ، فانطلقوا خلال جنود الشرك انطلاق الفيضان تقطّعت أمامه السدود . وقف طلحة بن أبي طلحة العبدري حامل لواء قريش يتحدّى ، داعيا إلى البراز ، فوثب إليه الزبير بن العوام حتى صار معه على جمله ، ثم اقتحم به الأرض فألقاه عنه وذبحه بسيفه ! ! . أقبل أبو دجانة معلما بعصابته الحمراء ، لا يلقى مشركا إلا قتله ، وكان أحد المشركين قد شغل نفسه بالإجهاز على جرحى المسلمين في المعركة . قال كعب بن مالك : وإذا رجل من المسلمين ينتظره وعليه لأمته ، فمضيت حتى كنت من ورائه ، ثم قمت أقدّر المسلم والكافر ببصري ، فإذا الكافر أفضلهما عدة وهيئة ، فلم أزل أنتظرهما حتى التقيا فضرب المسلم الكافر على حبل عاتقه ضربة بالسيف فبلغت وركه ، وتفرّق فرقتين ! ! ثم كشف المسلم عن وجهه وقال : كيف ترى يا كعب ؟ أنا أبو دجانة . . . وقاتل حمزة بن عبد المطلب قتال الليوث المهتاجة ، وصمد لحملة اللواء من بني عبد الدار ، فاقتنص أرواحهم فردا فردا ! ! . قال ( وحشي ) غلام جبير بن مطعم : قال لي جبير : إن قتلت حمزة عمّ محمد فأنت عتيق ، قال : فخرجت مع الناس ، وكنت رجلا حبشيا أقذف بالحربة قذف الحبشة ، قلّما أخطئ بها شيئا ، فلمّا التقى الناس ، فخرجت أنظر حمزة وأتبصّره حتى رأيته كأنّه الجمل الأورق ، يهدّ الناس بسيفه هدّا ، ما يقوم له شيء ! ! فو اللّه إنّي لأتهيّأ له أريده وأستتر منه بشجرة أو بحجر ليدنو مني ؛ إذ تقدمني إليه سباع بن عبد العزّى ، فلمّا راه حمزة قال : هلمّ إليّ يا ابن مقطّعة البظور ؟ قال : فضربه ضربة كأنما اختطفت رأسه . فهززت حربتي ، حتى إذا رضيت عنها دفعتها عليه ، فوقعت في ثنته - أحشائه - حتى خرجت من بين رجليه ، وذهب لينوء نحوي فغلب ، وتركته وإياها حتى مات ، ثم أتيته فأخذت حربتي ، ورجعت إلى المعسكر فقعدت فيه ، إذ لم تكن لي بغيره حاجة ، وإنما قتلته لأعتق . ومع الخسارة الفادحة التي نالت المسلمين بقتل حمزة ، فإنّ جيشهم القليل ظلّ مسيطرا على الموقف كلّه ، وحمل لواء المسلمين في هذا القتال ( مصعب بن عمير ) الداعية العظيم ، فلما استشهد ، حمل اللواء عليّ بن أبي طالب ، واستبق